فضل حسن عباس
155
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )
سجلته لنا سورة الروم في أولها ، وقد كان الوثنيون في مكة يفرحون بانتصار الفرس ، ويحبون أن تكون لهم الغلبة ، وكان المسلمون يودون أن ينتصر الروم الكتابيون ، ونزلت السورة الكريمة ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) [ الروم : 1 - 4 ] . وعلى هذا الأساس ما فتئ الإسلام وما برح يتقرب إلى أولئك الكتابيين ، ولكن هذا التقرب لم يكن لهدف شخصي ؛ فلم يكن هذا التقرب من أجل حماية ينشدها عند هؤلاء الكتابيين ليدافعوا عنه في حالة ضعفه ، وليردوا عنه ظلم الوثنيين ، وكما أنه لم يكن من أجل هذه الحماية المادية ، فلم يكن من أجل هدف معنوي كذلك ، فهو لا يطمع بما عند هؤلاء لينقل عنه أو يقبس منه ، فلم يكن هناك ما يمكن أن يعوّل عليه . أما عند النصارى الذين كانت قد مزقتهم الحروب والإحن والخلافات المذهبية والمحن فلم يكن عندهم ما هو حريّ بأن يؤخذ . وأما عند اليهود فلم يكن بأحسن حظا مما عند النصارى ، وبخاصة أن يهود يثرب كان جلّ ما عندهم مبنيا على الحكايات والأقاصيص والخرافات ، فإذا أضفنا إلى هذا ما كانوا يتصفون به من أخلاقيات مرفوضة أدركنا أن توثيق صلة القرآن بهم لم تكن من أجل مصلحة خاصة يبتغيها القرآن ، ونجد أن القرآن في العصر المكي كان كثير النعي واللوم والتنديد بأولئك اليهود ، لأنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم « 1 » ، والقرآن يقص عليهم هذا الذي فيه يختلفون « 2 » : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ [ الأنعام : 91 ] .
--> ( 1 ) قال تعالى : وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . . [ الجاثية : 17 ] . ( 2 ) قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 ) [ النمل : 76 ] .